الاثنين، يوليو 11، 2016

سلسلة الأعمال الأكاديمية - شذرات من تراثنا الشفاهي - باهبي

saidi.samir89@gmail.com
بقلم سمير الساعيدي
شذرات من تراثنا الشفاهي -  ( باهبي)  
تيمة الحب في أعمال الشاعر " أحمد أدود"
Awa is-nsul anshba3 i9imi du7mam
ittfar l39al ino
Med annawi fadnss ghrismttan
an3ddb  ajjarn kollo
تعريب المضمون:
هل سيثلج قلبي بلقاء جديد مع
 حمامة ظل فكري معلقا بها
أم أن المنية ستصيبني فأحمل أشواقي كلها إلى قبري
فأعذب بأنين فؤادي كل الموتى جيراني..
مقطع مقتطف من إبداعات الشاعر الكبير بواحة فركلة "أحمد أداود" وتختزن من الحمولات والدلالات ما يجعلنا تواقين أكثر لسبر أغوار مضامين الشعر الأمازيغي بواحة فركلة، فالشاعر كان في شوق نافذ للقاء معشوقته التي وضعت الأعراف القبلية ضوابط عرفية يصعب الخروج عنها (تقييد العلاقات بين الجنسين)  ولم يجد الشاعر إلا هذه الكلمات للتعبير عن مختلجاته وأشواقه للقاء حمامته التي تركته شارد الذهن، غارقا في التوتر، تراوده الشكوك من كل حدب وصوب؛ حول إمكانية لقائها من عدمه، وانتهى به الأمر بالتعبير المتشائم الكئيب عن حزنه العميق نتيجة صعوبة بلوغ تلك المعشوقة التي رمز لها "بالحمامة"، التي تحيل هنا إلى الجمال الفتان، والسمو والجلالة، والمكانة الاجتماعية الرفيعة، فكل هذه الخصال التي ميزت معشوقة شاعرنا، ناهيك عن العرف القبلي الذي حصر وطوق العلاقات بين الذكور والاناث في حدود ضيقة جدا (ضيق مساحة العلاقات الحميمية) كل ذلك كبّل أفق الشاعر فجعلته يستحضر "الموت" رمز الهزيمة والاستسلام والانكسار، رمز النهايات البئيسة التي تحطم كل شوق وتضع حدا لكل حكاية حب. وما استحضار الموت هنا إلا إحساس عميق بالخوف من الفشل من لقاء المعشوقة التي استولت على كل خلية من خلايا شاعرنا المتخبط والغارق في الحب داخل سياق قبلي مطوق بإسمنت "الأعراف"والتي تعطي للسلطة الآبوية قوة متعاظمة، وتضع العفاف في قائمة هرم القيم التي يجب على كل فتاة ان تستحضرها في ذهنها في كل تحركاتها وتفاعلاتها اليومية.
لقد استولى الحب على شاعرنا فتحول هيامه إلى نوع من الأمراض المستعصية علاجها، إذ نجده يعبر في مقطع من نفس القصيدة قائلا:
Awnna khf-ortkki tayri
masifan khob wala tjjin tyanay
Azbaar illa otbib nss
asafar nm atayri ortufigh
تعريب المضمون:
من لم يذق قبلا مذاق الهوى والعشق ما ذاق
ألما ولا معاناة ولا جربهما حتى
لكل داء دواء يستطب به
إلا الهوى والهيام
دواؤهما معدوم
أما الصفة المشركة بين العاشق الولهان والمريض العليل؛ فهي المعاناة والأنين، وإذا عدنا إلى مضمون البيت نجد الشاعر يصنف "العشق" بأنه نوع من الأمراض المستعصية على العلاج، فالحمى والصداع،  وكل الأعطاب التي تصيب جسم الانسان لها دواء وعلاج، أما العشق فهو مصاب القلب ولا دواء له. ومن ثمة لا مواساة يمكن تقديمها لشاعرنا المحترق في هذا الصدد إلا قلب تلك المعشوقة الحسناء "الحمامة" التي يبدو انها طارت إلى حيث يصعب على شاعرنا اللحاق بها، فقد تكون مخطوبة لشخص آخر وقد تكون وقد تكون.
إن أشعار "احمد أداود" تمتاز بفحواها ومضمونها الاجتماعي العميق، فقد عبر عن الوجدان الفردي والجماعي في نفس الآن، ويمكن اعتبار كثير من إبداعاته بمثابة وثيقة تاريخية لكشف تاريخ من أسماهم فيليب جوتار "بمهمشي التاريخ"، بمن فيهم الأمازيغ من ذوي البشرة السمراء في الواحات. ولا شك أن اجتماعية أشعار "أحمد أداود" تجد تجليها الأساسي في التعبير عن مجاله "أسرير" الذي تربطه علاقة حميمة به.
التعبير عن القبيلة أو مجال الإنتماء
عبر الشعر الأمازيغي الزنجي عن قيم الاحساس بعمق الانتماء إلى المجال، فكانت قصائدهم افتخارا بالانتماء وتذكير وتخليدا بالأمجاد والأبطال الأشاوس الذين عرفوا بقيم الشجاعة وقوة الكلمة، ففي قصر "أسرير" تغنى الشاعر "أحمد اداود" برموز لا تزال الذاكرة الفركلية تعترف لهم بما قدموه وأسدوه للواحة عموما ولقصر أسرير على وجه الخصوص من خدمات اجتماعية جليلة؛ جاء في مقتطفات من أشعار "أحمد أداود" عن قصر أسرير ما يلي:
Han asriri iga am  yizm
 isrss a9mo khftkhba – chin
Awnna zirs iskhan askso
 igrazd issrman sakal
تعريب المضمون:
هذا أســرير كالضرغام واضع رأسه على مخالبه الحادة
كل من أساء النظر إليه سينهش بطنه ويمزق أحشاءه
يفتخر احماد أداود بقيم الانتماء إلى المجال، إذ يشبه في هذا البيت بالضبط مجاله "أسرير" بالضرغام المتكئ على مخالبه، بمعنى أن أسرير ليس على استعداد للاعتداء على احد، غير أنه مترقب ويقظ من كل من سولت له نفسه النظر إلى أرض وخيرات وعرض وكرامة أسرير نظرة منحرفة، ففي هذه الحالة سيكشر الضرغام عن أنيابه وسيمزق أحشاء المعتدي وكل متربص.
إن هذا البيت المفعم بالرموز والدلالات هي رسالة قوية يرسلها الشاعر إلى اعداء القصر، خصوصا وأن زمن ما يعرف بالسيبة شهد صراعات محتدمة بين قبائل الواحة  وأخرى من خارجها "أيت عطا، أيت حديدو، أيت مرغاد.." وكان الشعر بذلك بمثابة الناقل للأحداث وللرسائل، والمعبر عن أحوال وآمال القبائل. وقد عرف حقا عن أسرير بانه مجال احتضن أبطالا أقوياء خاصة أصحاب البشرة السمراء منهم، والذين كانوا بقوتهم الجسمية الرهيبة يزرعون الرعب في قلوب أعدائهم، كما لعبوا دور "الجوكرات" الناجحة لبعض القبائل التي تستعين بهم لمواجهة قبائل اخرى مقابل امتيازات رمزية ومادية.
ومن بين المقاطع الشعرية "لأحمد أداود" والتي تتجه إلى تأكيد مدى قوة وشراسة أهل "أسرير" ضد كل معتد قوله:
Han asriri iga am ogzzar
Imon dujnwiy gufos
Das-ighrass ilmli7
Arasag-smarn ighrss iwkanuss
تعريب المضمون:
هذا أسرير كالجزار
 سيفه في يده لا يفارقه
ينحر السمين حتى إذا انتهى
نحر النحيف
 لقد حظي الشعر الأمازيغي بالواحات بمكانة رفيعة، كما احتل الشعراء المنظمون "الامديازن" قيمة زائدة،  فالشاعر هو المعبر الأول عن عواطف قبيلته، وهو الساهر على إرسال رسائل الترهيب  إلى كل الأطراف المعادية التي تتربص لشن حملة عدوانية، لهذا فليس من الغريب أن نجد في متن الشعر الأمازيغي الجميل مضامين عنيفة كالدم، والسيف، والجزار، والقتل.  خاصة ذلكم الشعر الذي نظم إبان فترات الاضطرابات القبلية، فهو من يحمل الشاعر مسؤولية دفع الضرر بإظهار القوة للمعتدي من جهة، وبتحفيز الرجال ورفع معنوياتهم وجعلهم أقوياء أشاوس في نظر أنفسهم ونظر الآخرين من جهة ثانية.
التعبير عن الأحداث والوقائع الاجتماعية والسياسية:
كانت واحة فركلى على غرار باقي المناطق المغربية قبلة قصدها الاستعمار الفرنسي،  وقد وصلها عام 1932 مستعملا ترسانته العسكرية لقمع ساكنة المنطقة والذين لم يبقوا مكتوفي الأيدي إذ نهجوا سياسة المقاومة، ويمكن القول بأن هذه المقاومة الواحية للمستعمر الغاشم قد اتخذت شكلين أساسيين:
- مقاومة السلاح بالسلاح: فقد عرف عن المنطقة استبسال رجالها ورفضهم لكل أشكال الهيمنة، على غرار جيرانهم في جبال "ساغرو" وتنغير "أيت عطا" والذين أداقوا الأهوال للمستعمر في أكثر من معركة.
-    المقاومة بالشعر: لعب الشعر دورا كبيرا في ربط التواصل بين الواحة وما يقع في المدن المغربية الكبيرة، ولعب الشعراء أدوارا كبيرا في نسج خيوط التواصل بين المغرب العميق ومركزه، وتعتبر منظومات "احماد أداود" نموذجا واضحا لذلك.
نموذج منظومات "احماد أداود"
كانت الأوضاع والظروف الاجتماعية قاسية بواحات الجنوب الشرقي عامة (بما فيها واحة فركلة)؛ حتمت على شباب المنطقة الهجرة إلى المدن للعمل وكسب القوت اليومي، وكان بعض هؤلاء الشباب إلى جانب التزامهم بتحصيل المعاش؛ يهتمون بنظم القصائد وإرسالها إلى ذويهم، وعبرها يبث جديد أخبار ومستجدات المقاومة المغربية ضد الاستعمار،  ومن هؤلاء الشباب بزغ صيت الشاعر "احماد اداود" الذي استقر به الحال في العاصمة الرباط، وشكلت أشعاره قناة تربط المركز بالمحيط خصوصا وأن أشعاره يتداولها الصغير والكبير داخل الوسط الواحي وقتئذ، نظرا لقوتها الرمزية والدلالية والصور الجمالية التي تزخر بها، وسنور نموذجا لمقاطع من قصيدة أرخت لذكرى نفي محمد الخامس إلى مدغشقر والتي صور فيها الشاعر عمق المعاناة النفسية من جراء هذا الحدث التاريخي وفيها يقول "احماد أداود":
Righ  adalgh ikhssayi om3awn amm nkkin
Adifkr assna gussin isyadn a3ssas g-ukham
Onna miwrochwich l39al assnagh aduritzalla
Ola kikks l3chor, ola yazom ; nbi brran digon
Daylant chajrat, allin isliwn affla nwakal
Ola itran dwayur, ima tafoyt ightat lghmam
ترجمة المعنى ومحاولة نقل حمولة وثقل الفحوى:
أريد أن أبكي وأنوح وأحتاج شريكا يواسيني
ليتأمل معي كيف أبعد الصيادون الحارس عن خيمته
أصبحت مهجورة..
تبدو للعيان أرض خراب جديبة
حالك يرثي ويدمع الفؤاد يا خيمة
بكت لحالك الأشجار والأحجار
وتأثر لوضعك الكئيب القمر والنجوم والأنهار
اما الشمس فحزنها الأليم غطاها الغمام
التأويــــــل:
استخدم الشاعر مفاهيم تنتمي إلى قاموس المفاهيم المحلية التي يتفاعل معها المجتمع الواحي باستمرار، فمفاهيم؛ "الصياد" "الحارس" و"الخيمة" كلها استعارات تحل محل دلالات عميقة وظفها الشاعر لتحيل على معاني عميقة،  ليصبح الصياد هو المستعمر الغاشم، والحارس رمزا للساهر على الأمن والمدافع عن الخيمة وهو ملك المغرب في ذلكم الوقت "محمد الخامس" أما الخيمة فهي المملكة المغربية التي أضحت بعد نفي حارسها بدون راع يضمن لها السلامة والحماية.
من موقع آخر وبخصوص عمق الإيحاءات نجد القصيدة تربط نفي السلطان محمد الخامس بمعاناة كل مغربي، ومن لم يشعر بالخزي والعار جراء واقعة النفي فهو كافر لا يمت حسب الشاعر بصلة لأمة الرسول (ص)، فحتى لو صام وصلى وأعطى الزكاة فإن الرسول (ص) سيتبرأ منه لا محالة حسب الشاعر.
لقد كشف الشاعر حقا في هذه القصيدة مدى الحب الذي أكنته المنطقة لمحمد الخامس ولفداحة واقعة نفيه ووقها القاسي على سيكولوجية الانسان الواحي خاصة والمغربي عامة. ونظرا لما تضمنته هذه القصيدة بالذات من قيم الحب الذي أكنه الشاعر المعبر عن الجماعة وقتذاك فإن نشر هذه القصيدة كان بإمكانها أن يعرض الشاعر للخطر، خصوصا وأن المستعمر لا يرحم كل من يبدي التعاطف مع الملك والمقاومة المغربية، لهذا رد شاعر آخر ينتمي حسب الروايات الشفهية إلى عائلة "احماد أداود" بقصيدة ينصح فيها شاعرنا بالتواري وعدم إرسال القصيدة إلى واحة فركلة.
رد شاعر آخر على هذه القصيدة:
Issin maytinit tbbit  alkath idgh i7dda dik wawal
Hat achko tamazirt non ; isul rbbi izla diks laman
hat tomz arzum nss midukan- ikhan krat tbratin
9ad t3ayd taddart metodan  atkhdm tiram irwanin
تعريب المعنى ونقل الفحوى:
عي ما تقول جيدا واستر أسرارك في مستودع قلبك
فالعملاء منتشرون في كل مكان والأمان مفقود
واعلم أن التخلص من ذات الأحدية الدنيئة آت وقريب
توصلت بثلاث رسائل ...
كلها تحمل الأمل في ميلاد وعهد جديد
ليتني أعلم متى ستعودين يا ذات الأنامل الجميلة
فقد اشتقنا كثيرا لوجباتك الشهية
التأويـــــل:
يطلب الشاعر من احماد اداود أن يستر الورقة التي كان قد كتب فيها تلك القصيدة وألا يتعجل في ارسالها إلى الواحة وأن يستر ما يجيش في صدره من ألم في قلبه ريثما يحين وقت التعبير عن ذلك، كما انه حاول مواساة احماد اداود وطمأنته حينما قال له بأن ذات الأحدية الدنيئة أي المستعمر الفرنسي في طريقها للاستسلام لإرادة الشعب المغربي وضغوطات الحركة الوطنية، وكذا تحت تأثير التحولات العالمية خاصة في مرحلة الحرب العالمية الثانية التي أفرزت تشكيل هيئة الأمم المتحدة للحفاظ على السلم الدولي، وقد قدم المغرب لهذه الهيأة على غرار باقي البلدان التي نخرها الاستعمار؛ رسائل يطالب فيها بمغادرة فرنسا الأرض المغربية وأن ترفع الحصار وتعيد الملك المنفي إلى خيمته / مملكته.
وقد استعملت مفاهيم ذات فحوى ومضمون عميق جدا في هذا الرد؛ كمفهوم الأحذية الدنيئة  "إيدُوكَانْ إخّانْ" ومفهوم "الأصابع الجميلة" (إطُودَانْ إحْلاَنْ)،  فدناءة الأحذية تكمن في تلطخها بدماء المغاربة المجاهدين والمدافعين عن عزة وكرامة وطنهم،  أما جمال الأصابع فهي حنين إلى الاستقلال؛ لينعم المغرب بسيادته الخاصة والتي شبهت هنا بالأنامل أو الأصابع الجميلة، التي تطبخ أشهى المأكولات وتقوم باعمالها على أحسن صورة واكمل وجه، فالأصابع الجميلة إذا هي حنين الشاعر للعيش في مملكة ذات سيادة واستقلال تام عن تأثيرات القوى الإستعمارية.
خلاصـــة:
 أمكننا القول بان البحث في تراث باهبي الشفوي هو بحث في التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، خصوصا وان هذا اللون الشعري أرَّخَ لأحداث ووقائع اجتماعية كثيرة، ما يجعل قيمته تتضاعف خصوصا وأن المنطقة معروفة بندرة الوثائق المكتوبة الشاهدة على الأحداث ودينامية العلاقات بين القبائل التي كانت تعيش حالة صراع.
كما أنها على المستوى الأنثروبولوجي وثيقة خصبة لكشف المتخيل الاجتماعي وتمثلات الناس في سياقات تاريخية محددة، خصوصا وأن الانسان يعبر عن طريق الشعر عن كل آماله وتطلعاته وكل ما يثير انفعاله، أضف إلى ذلك ارتباط هذا اللون الشعري بالمناسبات الاجتماعية خاصة احتفالات الأعراس، ومختلف الطقوس الاحتفالية الأخرى.


[1]  رواية شفوية في انتظار التأكد من حقيقتها في مقابلات أخرى في المستقبل العاجل

سلسلة الأعمال الأكاديمية - شذرات من تراثنا الشفاهي - باهبي

saidi.samir89@gmail.com بقلم سمير الساعيدي شذرات من تراثنا الشفاهي -  ( باهبي)   تيمة الحب في أعمال الشاعر " أحمد أدود"...