شاعر لم يعرف معنى للاستقرار ، فهو كثير الترحال من مكان الى مكان ، مع عائلته الصحراوية المحافظة ؛ حيث و لد بتنجداد و تحولت عائلته بسبب الظروف القاسية الى سيدي قاسم فوهران ثم العودة الى معشوقته و جدة الحبيبة ...
الرباوي و أيام الصبا
عندما نتحدث عن التنشئة الاجتماعية لشاعرنا المجنون بحب الموسيقى و الغناء و الأصوات السجية. فنحن نتحدث عن التأثير الكبير الذي مارسته العائلة في توجيه شخص هذا الشاعر الفذ ؛ فهو ينتمي الى أسرة محافظة كما قلت لكم سالفا ، لهذا كان لزاما على فنه أن يرتبط بادئ الأمر بالأصول و المحافظة إلى حد كبير ، هذا ما علمنا بان تنشئة شاعرنا قد اتسمت ببعض المزايا التي لابد من ذكرها حتى تتضح الرؤية أكثر؛ ومن بين هذه المزايا نذكر على سبل المثال لا الحصر :
** انتماؤه الى عائلة محافظة طبع فكره و قيده الى حد ما عن كتابة الشعر و الأغاني لأنها منافية للتعاليم و للأولية الدينية..لكن و بما أنه قد ورث جينات هذا الفن و هذا التوجه الجميل من جده الهارب بكمانه الى أغوار بلاد الجزائر و بالضبط هناك في وهران فان هذا هو ما جعل شاعرنا المدلل يكتب شعره و يخفيه عن عيون و الده الذي لم يعش معه الا وقتا قصيرا، بسب ترحاله و تنقله الدؤوب و المستمر ، بحثا عن لقمة العيش ، و ضمان أمن العائلة ..و بالمناسبة فهذا هو حال معظم صحراويي تلكم المرحلة حيث لا يعرفون أبناءهم جيدا كما أن الأبناء لا يعرفون آباءهم جيدا...
لقد و لدت اذا في شاعرنا خصلة الكتابة و الإخفاء، و لازمته هذه الخصلة حتى بعد وفاة والده رحمه الله ، ومن هنا يتجلى لنا قوة التطبيع الاجتماعي لشخصية هذا الشاعر الموهوب الذي و وظف حرفة بني جنسه و فنونهم في مجال البناء ، ليبني و يشيد بالكلمات صروحا من الشعريات الراسخة؛ دشنت لميلاد شاعر موهوب بالفطرة ، يتغنى بالألم و الأمل و الخلاص بقالب أخاذ و جذاب أية في السحر و الجمالية ...
لم يكن الأستاذ محمد علي الرباوي ذلك الطفل المشاغب أو المدلل بل كان ميالا للعزلة عاشقا للوحدة ، لهذا نجده قليل المصاحبة مع الأقران وأول صديق ألفه و أتكل عليه فقده مبكرا ، و يا لها من غرابة ، و يا له من قدر ... الى جانب كل ذلك كان محبا للسير التقليدية و الأمثال الشعبية و الثقافة القديمة و هذا ما يفسر ميله الى ** الامديازن ** و مصاحبة الشعراء و انتقاء الأصدقاء .. هذه اذا اهم ما تم التطرق اليه عبر راديو الاداعة الوطنية ، حول أيام صبا الفنان ** محمد علي الرباوي** صاحب الابداع المنقطع النظير .. ترقبوا بعد قليل الجزء الثاني من هذا التقرير حول اللقاء الشيق الذي كان فيه الرباوي ضيفا على برنامج ** سقط القناع *** .. علما ان الشق الثاني عنون ب :
محمد علي الرباوي و الكتابة الشعرية
كانت علاقة صاحبنا بالشعر وطيدة و مبكرة ، فقد كان يكتب من أجل أن يغنى شعره ولم يكن بادئ الأمر يهيئ نفسه ليكون شاعرا؛ تماما كما حدث مع نزار قباني الذي كان يهيئ نفسه ليصبح فنانا تشكيليا، قبل أن يجد نفسه في عالم الشعراء المتميزين و الموهوبين بالفطرة ..تتميز كتابات الرباوي بأسلوب ساحر و متميز، و قد حاول جاهدا أن يسم إبداعاته بالخصوصية، و قد نجح بالتأكيد في مسعاه، اذ أن كل قارئ لإبداعاته يدرك بجلاء سحر و قوة الأسلوب الذي يميز شاعر الصحرا ..
تأثر الرباوي بالشعراء المنبوذون من طرف مجتمعاتهم؛ و يتسم شخصه بالانفتاح على إبداعات غير أدبية و غير شعرية: كالفلسفة و المنطق و علم الاجتماع و التصوف... الى آخره ، و هذا الانفتاح وسع بلا أدنى ريب من نطاق ملاحظاته و خبراته و رزانته الابداعية ..
أثرت في حياة الأستاذ الفاضل ، عدة أحداث كغيره من بني الإنسان ، و حينما تحدث على أثير الاداعة الوطنية عن ذلك قال بعبارة جميلة و أخادة *** هناك و قائع تحدث للإنسان و لا يريد البوح و الجهر بها مباشرة *** بل عن طريق رموز و إحالات ..
لقد نعت الرباوي بأنه*** شاعر الاحتراق *** تلتهمه النيران ، فرغم غزارة إبداعاته الا أن الألم كان يتخللها ، فقد رافقه الألم طوال حياته الإبداعية، ووسم انتاجاته و تخللها بقوة ...
تأثر الرباوي بالشعراء المنبوذون من طرف مجتمعاتهم؛ و يتسم شخصه بالانفتاح على إبداعات غير أدبية و غير شعرية: كالفلسفة و المنطق و علم الاجتماع و التصوف... الى آخره ، و هذا الانفتاح وسع بلا أدنى ريب من نطاق ملاحظاته و خبراته و رزانته الابداعية ..
أثرت في حياة الأستاذ الفاضل ، عدة أحداث كغيره من بني الإنسان ، و حينما تحدث على أثير الاداعة الوطنية عن ذلك قال بعبارة جميلة و أخادة *** هناك و قائع تحدث للإنسان و لا يريد البوح و الجهر بها مباشرة *** بل عن طريق رموز و إحالات ..
لقد نعت الرباوي بأنه*** شاعر الاحتراق *** تلتهمه النيران ، فرغم غزارة إبداعاته الا أن الألم كان يتخللها ، فقد رافقه الألم طوال حياته الإبداعية، ووسم انتاجاته و تخللها بقوة ...
لكن لماذا هذا الألم ؟
لعل المتتبع لتنشئة أستاذنا الاجتماعية يدرك بجلاء ؛ ان الألم كان مرافقا له ، فانطلاقا من اللاستقرار و عدم التشبع بوجود الأب، و حنينه الى جد مؤنس، و ايثاره العزلة و الخلوات، وعدم حريته المبكرة في احتراف الشعر الغنائي بسب القيود المفروضة عليه... ناهيك عن تعرضه لحادثة سير في مرحلة متقدمة من حياته .. كل ذلك و أكثر طبع فكر و إبداعات الشاعر الموسوم محمد علي الرباوي، الذي لم يستسلم رغم كل ما حدث للظروف ، و ظل ينظر الى الحياة نظرة تحد و اصرار .. و لا يزال إصراره كبيرا حينما زار بيت الله الحرام بعكازين؛ متصورا ان الله يريده أن يموت هناك .. في حين أن الله يريده أن يزدان بخبرات أخرى، و يتزود بإيمان أقوى، وذلك لتحقيق ابداعات اخرى بحول الله، لهذا عاد الى و جدة غانما و بالايمان و التفاؤل مزدانا ؛ و جنون الإبداع لا يفارقه أينما حل و ارتحل ...
ان الرباوي شخصية ناجحة بكل المقاييس، فقد تحدى كل المعيقات ، لينشد بالألم الأمل و بالقيود الحرية، وبالمعاناة الراحة و الهناء ، انه بالفعل شخص يستحق أن يقتدى به و أن يفتخر به في كل المحافل ؛ فهو قوي بإرادته و متفائل رغم ألمه و محب و عاشق رغم ظروفه .. و وفي رغم كل شيء ...نعم انه من بين القلائل المتسمين بالوفاء و الإخلاص ..و يتجلى وفاؤه و إخلاصه في رد الاعتبار لمسقط رأسه تنجداد، تلك الواحة الفقيرة و المهمشة التي اعتبرها كما نعتبرها جميعا مدينة فاضلة، رغم قساوة ظروفها و تجهم و اقعها البنيوي .... وذلك باهدائها خزانة غاصة بالفكر و الإبداع ، تقبل الله من أستاذنا الفاضل – المجنون بحب الموسيقى و الشعر و الذي كان يقرأ الجرائد من الخلف انطلاقا من الصفحة الأخيرة ..
تلكم اذن خلاصة مختصرة و مختزلة من الحياة الاجتماعية و الإبداعية لشاعر الصحراء و المعاناة و الألم؛ الأستاذ محمد علي الرباوي أطال الله في عمره .
تعليقات
إرسال تعليق